Sunday, June 28, 2015

فلاش باك 1

عشتُ في قرية بعيدة عن اربد، كان هنالك دوار صغير في القرية وكنا نسميه "المثلث" رغم أنه يربط أربعة طرق، وكنا نجلس هناك مساء أمام دكانة "أبو الذبّان" لنرى الناس القادمين من اربد في باص القرية الأبيض والذي يزينه خطان من الدهان الأحمر في الجزء السفلي، "ضيعة ضايعة" لم ألتقط كل ما فيها من التفاصيل، وحين أنظر خلفي الى خط الذكريات، أتذكر ما قاله طمليه "ولككني نجوت" من أكياس الآغو، اللواط، وزجاجات الخمرة الرخيصة وخالد الطوزا

1997

كنت أظنُ أن شارباه برتقاليا اللون من أثر الحناء، كل ما توفي أحدهم كنت أراه على أبواب المقابر يتوجه مباشرة الى أصحاب العزاء أو الضيوف الذين يرتدون ثيابا أنيقة مادّاً يدهُ، محمد "الشنّة" هكذا كانوا يسمونه، ولم أعرف سبب هذا اللقب مثله مثل ألقاب أخرى في قريتنا مثل "الهفيت" ، "العجرمي"، "القط العجوز" وغيرها
كانت تسليتنا المدرسية في الفسحة التوجه الى آخر السور المدرسي ورمي الحصى على بوابة "الشنة" لاجباره على الخروج بثيابه 
 الرّثة ماداً يده بزاوية منفرجة الى أعلى ليشتمنا ويبادلنا رمي الحصى فنضحك ويتوجه الى الادارة المدرسية بمشيته التي تشبه مشية البطة فنهرب ونختفي بين الطلبة

توفي محمد "الشنة" بعدها بسنوات اثر جرعة زائدة من الأدوية،


2002

حصلتُ على المرتبة الثانية في نتائج التوجيهي على مستوى المدرسة التي درستُ فيها، بكت والدتي في البيت لأن معدلي لم يكن يؤهلني لدراسة الطب، وبعد محاولات عدة في وزارة التعليم حصلت على بعثة لدراسة الطب في جامعة في الخرطوم، وفي اليوم الذي كنا متوجهين فيه الى وزارة التعليم العالي في عمان، أوقف والدي سيارته في مكان بين عين الباشا وصويلح، نظر الي وبكى، والدي لا يبكي، لقد دخل الخدمة العسكرية وهو في الثانية عشرة من عمره، لكنه بكى يومها وقال لي اختر ما شئت،

2001

الليلة الأولى للتوجيهي، أمضيتها برفقة البعض من سائقي البكمات، وطلبة أخفقوا في دراستهم، وعدت متأخراً الى بيتنا، أمام بوابة البيت تماماً كان يقف والدي، نظر الي تلك النظرة التي تذيبك،نظرة مليئة بالغضب زامّاً حاجبيه، والتي ورثت بعضها عنه، لم يتكلم، أعتقد أنه لطمني وفهمتُ البقية وحدي

1995

كنا لا نزال طفلين لا ثالت لنا، أنا يلقبني أهلي وأعمامي ب "أبو دمعة" لحساسيتي المرهفة وبكائي ، وهو أخي الأصغر سناً كان عنيداً ومشاكساً، كنا عائدين من المدرسة الى البيت وكان ثمة عصابة من أولاد حي آخر يعترضون طريق الأطفال ويضربونهم، وكنت أحاول جر أخي حتى لا يعترضونا ولكنه كان عنيداً جداً، ووقعت أنا في أيديهم وضربني أحدهم فبكيت، وأخي الصغير لم يشعر بأدنى ذنب، وحين عدنا البيت أخبر أبي بما حدث، فأصر أبي على الذهاب والتدخل ، وذهبنا الى بيت الطفل الذي اعتدى علي وحين رأى والدي أنه طفل قصير وأقل قامة مني، كان بانتظاري عقاب في البيت، كيف يضربك من هو أقصر منك !!!؟

1999

بعد صلاة العشاء كنت عائداً من مسجد البلدة القديم برفقة ابن عمي وعند احدى المنعطفات المعتمة خرج علي "موسى أبو جنزير" ولطمني كفاً لا أنساه ، كانت تفوح منه رائحة "الآغو" والخمر، واشتبكنا في عراك وحال بيننا الناس وبالأخص "عبدالله الهودج" والذي عرفتُ صلته لاحقاً بالأمر فقد حرضه على ضربي اثر حوار سابق بيننا، كنت رفيقاً ل"نائل" وقد كان مراهقاً مثلي أنيقاً وجميل الوجه وكان "الهودج" يسعى وراءه لينال منه علاقة ولما كنت دائم الوجود مع نائل كان ذلك يبدو صعباً، قابلني مرة وقال لي "كثر الفرفرة بتكسر الجنحان" فضحكت وكان رده ما سبق


Friday, June 26, 2015

سيدهارثا / رحلةُ البحث عن الذات


سيدهارثا / رحلةُ البحث عن الذات 


مغادرة البيت 

سيدهارثا، الباحث عن نفسه، تمرد على وراثة والده البراهما، وحتى لا يقع في مصيدة الانتظار، لأنه لا يؤمن بأن الزمن كفيلٌ بجلب الحكمة بل التجربة هي من يفعل، وقف هذا الشاب طوال الليل في انتظار اذن الوالد لكي يغادر، والده لم يكف عن مراقبته طوال الليل واقفا منتصباً في انتظار الاذن استسلم أخيراً لرغبة ابنه وتركه يذهب في طريقه، تقديم القرابين، الصيام وكل طقوس البراهما لم تشبع رغبات الحقيقة في نفسه، ولم تكفه ألم السؤال فانطلق في رحلته للالتحاق ب "السامانا"

الالتحاق بالرهبان

مع السامانا قضى سيدهارثا ثلاث سنوات عجاف من الصيام، الصمت والتأمل حتى انتشر خبر "بوذا" في العالم فقرر الالتحاق به ورغم معارضة سيد "السامانا" الا أن صديقنا قرر المضي في البحث

البحث عن بوذا 

التعليم/المُدرس لم يشفِ رغبة سيدهارثا، مقتنعاً بأن الحكمة لا تنقل بالعملية التعليمية، غادر صديقنا حظيرة بوذا غير معارض لوجود التلاميذ حول "بوذا" لأن الناس ذوو طبائع مختلفة، ببعضهم بل أكثرهم يرضى بالاتباع، ويجد في الوصايا والنص المكتوب غايته، غير أن الباحث هذا لم يجد في الحروف لونا،طعماً أو رائحة ووصل الى قناعةٍ تقضي بضرورة أن يكون له صوته، تجربته، وحكمته هو لأنه مخلوق كبوذا له حق السؤال والبحث للوصول الى الاجابة، الاجابة التي يصل اليها هو لا غيره

كمالا/المرأة

بعد أن هجر سيدهارثا التَلقي والتبعية حطّت به خطاه في المدينة/القرية ولعلها في الرواية رمز لاغراء الحياة وملذاتها وكانت أولى محطاته المرأة، وتحديداً شخصية تدعى كمالا، وبخطى الواثق من امكانياته في الولوج الى عالم هذه المرأة، نجد سيدهارثا يمشي الى قصرها بعد أن حلق شعره ولحيته لنقف أمام حوار حاد بين الغانية والراهب، امرأةٌ بشفاه كحبة تين ناضجة شُقت للتو، يصف سيدهارثا شفتا كمالا، المرأة التي تمارس الحب وترى في الرهبان شيئاً دونياً اذ تقول
"لمَ يجبُ علي الخوف من سامانا ؟ سامانا غبي من الغابة ؟ أتى من الأدغال ولا يعرف ما المرأة"

وتأخذ كمالا دور العالم فتلقي حكمتها على سيدهارتا قائلة: "حمراء وجميلة شفتا كمالا ولكن حاول أن تقبلهما بالرغم عنها، ولن تحصل على نقطة حلاوة من هاتين الشفتين اللتين تعلمان جيداً كيف تمنحان المذاق الطيب، أنت تتعلم بسهولة يا سيدهارثا، اذن فتعلم هذا أيضاً، أحدهم يستطيع الحصول على الحب بالاستجداء، بالشراء، بقبوله كهدية، بالعثور عليه في الطريق، لكن أحداً لا يستطيع سرقته"

وفي مقطع آخر من الحوار، وبعد أن حصل سيدهارثا على قبلة مقابل قصيدة يقول : "تُقبلين بروعة يا كمالا"
فترد هي : "نعم، أعلم كيف أُقبّل، ولذا لا تنقصني الملابس، الأحذية، وكل الأشياء الجميلة، ولكن ما الذي سيأتي منك ؟ تُفكر، تصوم، تكتب قصدية، هذا كل ما يمكن أن تفعله؟"

وفي مقطع آخر من الحوار يأخذ سيدهارثا موقعاً متقدماً فيقول:
"اذا رميتِ بحجر الى الماء، فانه سيأخذ الطريق الأيسر الى القعر وسيدهارثا كذلك عندما يكون لديه هدف، سيدهارثا لا يفعل شيئاً، انه ينتظر، يفكر، يصوم، لكنه يمر من خلال الأشياء كما يمر حجر في الماء،

المال/الغني/الشهوة

في لقاءهما الأول ، سيدهارثا والرجل الغني "كاماسوامي" يدور الحوار التالي :
كاماسوامي: قيل لي أنك براهما، طالب، ولكنك تبحث عن خدمة مع غني، هل تعرضت الى ظروف صعبة ؟ ولذلبحث عن عمل أيها البراهما؟
سيدهارثا: لم أقع في أوقات سيئة، ولم أمر بهذه التجربة من قبل، وكا ترى فقد أتيت من عند "ساماناس" وبينهم عشت وقتاً طويلاً.
كاماسواني: اذا كنت أتيت من عندهم فكيف تقول بأنك لم تمر بأوقات صعبة من قبل ؟ انهم لا يملكون شيئاً
سيدهارثا: انني لا أملك شيئاً اذا ان هذا ما تعنيه، ولكن ذلك عن طواعية، ولذلكلم أختبر وقتاً سيئاً في حياتي.
كامسواني: ولكن ما الذي تتمنى أن تعتاش منه اذا كنت لا تملك شيئاً ؟ اذا فأنت تعيش من ممتلكات الآخرين.
سيدهارثا: بعد كل هذا، الأغنياء أيضاً يعيشون معتمدين على الآخرين.
كاماسواني: عبارة محكمة، ولكن الغني لا يأخذ من الآخرين مجاناً.
سيدهارثا: وهذه تبدو طريقة العالم، الجميع يأخذ، الجميع يعطي، هذه هي الحياة.
كاماسواني: ولكن اسمح لي: اذا لم يكن لديك ما تملكه فما الذي يمكن أن تعطيه ؟
سيدهارثا: كل شخص يمنح ما لديه، المحارب يمنح قوته، الغني يمنح غناه، والمعلم علمه، المزارع يمنح أرزاً، والصياد سمكاً.
كامسواني: وما الذي تملكه لتعطيه؟
سيدهارثا: أستطيع أن أفكر، أنتظر، وأصوم.
كاماسواني: وهل هذا كل شئ؟
سيدهارثا: أعتقد ذلك.
كاماسواني: وما نفع ذلك ؟
سيدهارثا: انها نافعة جداً، اذا لم يكن لديك ما تأكله، فان الصوم هو أكثر الأمور حكمة، لو لم يتعلم سيدهارثا كيف يصوم، لكان من الممكن أن يقبل بأي خدمة، معك أو مع غيرك، لأن الجوع كان سيجبره على ذلك، ولكن الآن يستطيع سيدهارثا أن ينتظر، هو لا يعرف فراغ الصبر، يستطيع أن يجوع طويلاً ويضحك من ذلك، وهذا فائدة الصوم.

بعد هذا الحوار يدخل سيدهارثا في الخدمة مع هذا السيد، ويحاول السيد مرات عدة توريطه في الوقوع في شهوة المال، الا أن سيدهارثا يبقى دائما في تعامل فوقي مع المال وكأنما يلعب بالمال دون أن يكون جزءاً منه، لا يخشى السقوط، ولا تضايقه الخسارات.

وفي حوار لاحق مع كمالا، يقول سيدهارثا:
معظم الناس يا كمالا كالأوراق المتساقطة، يتراقصون مع الريح، وما يلبثون أن يتساقطوا، قليلون كالنجوم، لا تصلهم الريح، لديهم قانونهم في داخلهم.

...

يُلاحظُ أن الكاتب قد قسم هذه الرواية الى عتبات، عتبة الراهب، عتبة طالب العلم، عتبة المرأة، عتبة المال، عتبة السامسرا "الوقوع في شهوة المال والحياة"، عتبة النهر، عتبة الأبوة، عتبة اللقاء بالصديق القديم

وفي كل عتبة يكتشف سيدهارثا وجهاً من نفسه، في رحلة شخصية للمعرفة مفتوحاً على الاحتمالات جميعها، كحجر النهر يسعى لوصول الى غايته ... في الفصول اللاحقة بعد عتبة الغنى يعرفنا الكاتب على وجوه أخرى من تجربة سيدهارثا ولعل أكثر حكمة عتبة النهر.