بيني وبين المقبرة سياج، أجلسُ كل ليلة هناك هناك قدر استطاعتي على التأمل، يمر القطار أحيانا فيحملني معه الى وجهة أختارها، كأن أدخنة القطار غيمة تحملني الى مبتغاي
تخرج سيدة من بين البيوت لقضاء حاجة كلبها، ألتفت اليها ولا ألتفت "ما الذي يرى المرءُ حين يرى"؟
يمر شاب وخلفه فتاته، يشعل سيجارة،يعب نفسا ويناولها السيجارة، وهذا يذكرني بجامعتي في فيرفيلد حين كنا نمشي الى الجسر خارج الجامعة وأدخن برفقة صديقي المصري اسلام، جسر صغير خارج حدود الجامعة لكي نتجنب الغرامات المالية على التدخين داخلها، أحيانا كانت الليالي باردة والثلج يهطل بغزارة فنضطر للتدخين بالقرب من المبنى وحين تمر سيارة الأمن نلقي بالسجائر ونهرول الى الداخل، الممنوع يظل أجمل وأكثر لذة ، الحرية ممنوعة ولذا تجتذب المحبين لها، الكتب الممنوعة والرواية الشفهية والأخبار التي تحمل أسماء مرموقة يحميها القانون.
في الخارج كان هنالك عائلة تتحلق حولة شاشة تلفاز وهذا يذكرني بسطح البيت وليالي الصيف في اربد، وابن عمي الذي علق حبل لمبات في الثانوية العامة وراح يذرع السطح جيئة وذهابا مما مكنه من مراقبة البيوت المجاورة وضبط مواعيده بخروج هذه أو تلك ومتابعة السكنات والحركات للجيران.ابن عمي ضابط في قوات الدرك الىن وهو غاشم في تعامله مع الجند حوله،لقد تغير وهو يرى الحياة بطريقة مختلفة ،ويتعامل مع ما حوله بمكر الثعالب، جدي كان يسميه "الهسة" والمقصود بها الصامت الذي يتحرك دون أن يدري به أحد وينفذ مططاته وهو يبدو ساكنا ووديعاً.
كل ما سبق تداعيات لحنين ما لاربد " ليالي الصيف هناك" والهوا الغربي الذي يمر عليك ويتسلل بين فخذيك فتشعر بالشهوة تسري في بدنك، كنا أطفالا نام في فرشات متوازية تحت السماء، ونتداول الحكايات ليلا عن "الرصد" و"الثواليل" التي تعقب عدّ النجوم وبطولات زعران القرية والدبيكة وكان العالم أكثر بساطة وعمان أبعد من حلم.
الشارع الذي يمر خلف "مركز النخبة" الشارع القصير الواقع على تقاطع مراكز التدريس الصيفي لطلاب الثانوية العامة كان مسرحا لحكايات التي حلمت بها، كنت ذلك القروي الجالس على الرصيف ووقفت فوق رأسي رشا حين كنت أكتب بعض القصاصات، وقفت فوق رأسي لبعض الوقت ولم ألتفت اليها، ثم غادرت وصباح اليوم التالي أوقفتني في منتصف الطريق وقالت "انت بتكتب حلو" وضربنا موعدا والتقينا على ذات الرصيف وافترقنا بعدها، صديقي كتب رسالة لفتاة تلبس نظارات طبية وتركها على الطاولة ، المفارقة أن الفتاة التي تجلس بصحبتها وتلبس نظارة شمسية ظنت أن الرسالة لها، وبدأت حكاية صديقي مع الفتاة الخطأ وانتقلت الحكاية الى مسرح آخر "جامعة آل البيت" أما أنا فظلت حكايتي على الرصيف ، لم تدخل مقهاً ولا غرفة، حكاية ابنة شارع يفضي الى شارع وشارع يفضي الى آخر بلا نهاية " طرق كالصدف المدور / لا طُرق"!؟
No comments:
Post a Comment