الدفتر الكبير
روايةٌ أتمنى لو كنتُ كاتبها، هل هذا يكفي لوصف شعوري بالامتنان لهذه الكاتبة على هذه الرواية العجائبية التي تؤرخ فيها أحداث الحرب على لسان طفلين مسكونين بلا مبالاة لا حدود لتصورها؟ وهل كانت لا مبالاة حقاً ؟ أم قدرةً على التعامل مع الحياة بما تحتاجهُ من قسوة وصرامة؟
طفلان ينحدران من جدة أقدمت على دس السم لزوجها، المشعوذة كما كان يسميها أهل القرية، امرأة بكامل القسوة والحزم حتى مع أحفادها، انها منذ اليوم الأول لم تقدم لهما الطعام أو الشراب اذا لم يقدما خدمةً بالمقابل، وتناديهما باستمرار "يا ابني الكلبة" وهما بقدرتهما العالية على التعايش اندفعا في اختلاق تمارين يتبادلان فيها أقذع الشتائم لكي يتحصنا ضد أي شتيمة أو اهانة من الجدة أو سواها لا بل يمارسان صوماً قاسياً لكي لا يكسرهما الجوع ويتبادلان الضربات واللكمات والصمت لساعات طويلة ويتبادلان دور الضرير والأصم، أحدهما يملؤ أذنيه عشباً والآخر يربط عينيه بعصابة ويبدأ الفتيان بسرد التفاصيل على بعضهما، الأصم يقرأ شفاه الأعمى الذي يروي ما يسمع، حالة من الاستباق لكل ما قد تفاجؤهما به الحياة حتى لا يتأوها ألماً
تجربة التسول
" لا حاجة لنا بحسائك أو العمل لديك"
يقول الطفلان لامرأة لا تملك شيئا من المال وودعت مساعدتهما بعد أن أرادا اختبار شعور التسول ونظرة الناس اليه، انها حالة من يود اختبار حياة ويقاربها دون فواصل أو زجاج عازل، حتى أنهما رميا كل ما قدمه لهم المحسنون في طريق عودتهما ولم يستطيعا التخلص من التربيتة التي ربتتها احدى المحسنات على رأسيهما على حد قولهما
خطم الأرنب
تظهر في الرواية شخصية طفلة بشعة وغريبة الأطوار، فتاة تعيش مع والدتها الصماء والعمياء -يظهر لاحقا في الوراية أنها ليست كذلك- هذه الفتاة تشعر بأن الجميع ينبذها ولا تجد من يبادلها الحب فتضاجع كلبا، وتحصل على المال من الخوري مقابل أن يدس اصبعه في عضوها الأنثوي، وتنتهي نهاية مروعة، "تموت من النيك" ، تقف بالباب عند قدوم جيش التحرير وتدعو الجنود الذين يتجاوز عددهم الخمسة عشرة ، ويضاجعونها واحداً تلو آخر حتى تموت مبتسمة كما يصفها الطفلان في الرواية، وحين يكتشف الطفلان موتها في بيتها غارقة في الدم والمني، تتحدث الأم وتطلب منهما أن يقتلاها ويحرقا البيت ويفعلان ذلك
انهما يعاقبان أيضاً
تظهر في الرواية شخصية خادمة تعمل عند الخوري، هذه الخادمة تأتي مرة الى بيت الجدة طلبا للطعام وترى الطفلين فتأخذهما بعد أن أسفت لحالهما المزري حيث لا يستحمان عند الجدة التي تبول واقفة أينما حلت حيث تفرج ساقيها وتبول فهي لا ترتدي ملابس داخلية، هذه الخادمة تضعهما في حوض الاستحمام وتلعق عضويهما وتجذبهما الى صدرها ليمتصاه وتتمنى لو كانا أكبر عمراً، وفيما يزورانها كل أسبوع لتغسل ملابسهما وتقدم لهما الطعام، حدث مرة أن مر موكبٌ من الأسرى فمد أحد الأسرى يده طلباً للطعان فمدت الخادمة السندويشة التي في يدها ثم سحبتها قائلة "أنا جائعة أيضاً" وتبدو القصة حادثاً عابراً الا أننا نفاجؤ فيما بعد بانفجار الفرن في وجه الخادمة بعد أن دس الطفلان الخرطوش في الفرن بين الحطب الذي يحضرناه
قتل الجدة
هذان الوغدان يتعاملان مع الحياة وفق قوانينهما، الجدة التي أصيبت بالجلطة للمرة الأولى طلبت منهما أن يقدما لها السم ان أصيبت بجلطة ثانية، وكان ذلك ووفقاً لرغبتها، كان هالك مشهدٌ آخر في الرواية حين قدمت الأم لأخذ الطفلين فرفضا القدوم معها لأنهما وجدا في هذا العالم ما يريدان أو لعلهما بقيا هناك لسبب ما خفيٍ يتعلقُ بالتغير الذي طرأ عليهما ، انهما ليسا طفلي أمهما المدللين الذين يرغبان في حمام دافئ أو كلام رقيق، انهما قادران على اكتساب النقود بعروض مسرحية في الحانات، بالسرقة، بالعمل وبكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة وفي نفس الوقت لا نجد للمال أي قيمة عندهما ، المال ليس غاية بل وسيلة لا يعطيانها ما يعطيه الناس من قدر، الأم التي جاءت وحاولت التشبث بهما ليأتيا معها تعرضت للقصف أمام بيت الجدة وماتت وطفلتها كذلك ولا نرى الطفلين عابئين بما آلت اليه من موت، بل يدفنانها دون أن نرى أي تأثر فيهما
الغريب ألبير كامو
ويذكرني هذا برواية الغريب لألبير كامو، ذلك الشخص الذي ماتت والدته فلم يبك ولم يظهر عليه أي علامات للحزن، بل أنها داعب حبيبته بعدها بأيام، وكأن والدته لم تمت واعتبر ذلك دليلا من الأدلة التي ساقوها ضده لاحقاً
جسد الوالد جسراً للعبور
في المشاهد الأخيرة من الرواية يحضر الوالد الى بيت الجدة ، الوالد ينبش القبر ويكتشف أن زوجته أنجبت فيما كان هو في السجون ويتلقى بهذا صفعة يترك على اثرها القبر المنبوش ويعود بعد ذلك بشهور لطلب المساعدة في تجاوز الحدود ويبدو الطفلان مستعدان لمساعدته تماما فيعرضان عليه خطة محكمة للهرب لنكتشف أنهما يقدمان جسده وسيلة للعبور الى الطرف الآخر وتتركنا الرواية أمام مشهد انفصال الطفلين أحدهما عبر الحدود والآخر رجع الى بيت الجدة
No comments:
Post a Comment