Tuesday, May 12, 2015

فيلادلفيا - عبقُ أوروبا وابنةُ الربيع والماء

أجلسُ في الطائرة مسنداً رأسي الى النافذة، أتأمل جناحالطائرة الممتد "ويحملني جناحُ حمام بيضاء صوب طفولةٍ أخرى" وبينما يتناثر الغيم في مجموعات صغيرةفي سماء "فيلادلفيا" مؤذناً بانكسار شوكة الشتاء، تلوح بين فجوات الغيوم مساحات، خضراء، وزرقاء وضعتها الأرض بعد مخاض طويل مع شتاءات الشمال القاسية.
أمامي يتدلى شعر امرأة أسود هي الأخرى أراحت رأسها الى النافذة ، المشهد لا يتغير في الخارج والى جواري يجلس رجل من أصول هندية يتابع فيلماًهندياً والى جواره تجلس امرأة من أصول لاتينية تقرأ في كتاب عن المغنية "سيلينا" التي قتلت على المسرح في التسعينات، السيدة تشرب الفودكا وتقرأ، وثم فتاةٌ في المقاعد الأمامية تضحك لأن فتاها بالغ في تقبيلها، يندفعان بين حين وآخر في موجات من القبل المحمومة ثم يهدآن، دون أن يلتفت اليهم أحد سواي -يُخيلُ لي كذلك- وأعادو النظر الى الخارج . 



ثمة نهرٌ يمتدُ كأفعى ويجثم على وجه الأرض، يتفرعُ حيناً ويلتقي حيناً كأن يعانقُ بعضه بعضاً وينفر من بعضه في أحيان أخرى، الفتاة اللاتينية ترتدي بنطالاً من تلك التي تحوي تمزقات ولا أدري كيف امكن لمصممي الأزياء اقناع الناس بارتداء هذه الألبسة ، اللعنة كم هم شياطين !! أتوقف عن النظر اليها، أشعر أن ساقها التي تبوح حيناً وتصمت حيناً لا يجدر بها أن تكون جزءاً من النص الذي يُكتب في الجو، دع الأرض وما عليها الى لحظةٍ تكون فيها القدمان على الاسفلت.




برفقة صديقي المصري أنس زعقوق توجهنا الى مقهاً مصري ، جلسنا هناك، طلبنا بعض الشاي بنعنع أخضر وأرجيلة، وكان في المكان نادلةً تشرف على الفحم، بدت ابتسامتها طيبةً وودت أن أقول لها "ابقي مبتسمة ما أنتِ" وانه لأمر مختلف أن يقوم على الاعتناء بالفحم امرأة توقد فحم الشيشة وتيقظ فحم القلب




في المقهى وعلى جدرانه كان هنالك بعض الرسومات المصرية، قال لي صديقي أنس :"انها واقعية ، انظر الى الراقصة ، انها أعلى قامةً من المآذن والبنايات" حيث تقف هذه الراقصة بين مئذنتين باسطة ذراعيها كأنما تخيم على المكان وتلقي بظلالها على الأشياء، أمصادفةً رسم أحدهم الراقصة أعلى ، مغناجةً تحجب وجهها، لتكون أي امرأة احتمالاً لتقف مكانها؟ 


كعادتنا حين كنا طلاباً في ولاية "أيوا" كنا نذهب الى محطة الوقود نشتري بعض المشروبات الساخنة أو الباردة وندخن السجائر الرخيصة، ذهبنا الى الى محطة تسمى "واوا" في المدينة، ولكن هذه المرة كنا اثنين لا شريك لنا وجلسنا على الرصيف بينما كان القمر نصفاً كافتراقنا عن البقية، تحدثنا عن أشياء وتفاصيل صغيرة، بعد أن كنا امتلأنا بأغاني صباح فخري في الطريق



في اليوم التالي توجهنا الى "المدينة نفسها، وعلى طول الطريق الذي حفته الأشجار من كلا الجانبين كان الناس يقودون دراجاتهم الهوائية، وبعضهم الآخر يتمشى، يركض أو يقود قوارب في النهر المجاور، وبدا وكأن الناس خرجوا من جيب الشتاء مشتاقين لدفء الشمس معبرين عن فرحهم واشتياقهم للأخضر






يقف هذا التمثال الذي يعطي ظهره للمتحف وكأنما على استعداد ليتوجه الى "الداون تاون" تمثالاً كثير التفاصيل، تحيط به تماثيل لحيوانات من الطبيعة الأمريكية، هندي أحمر مضطجعاً، نساء، ورجال في ثاب أوروبية قديمة، انما تعبر عن المدينة ، تاريخها ، ومكوناتها الانسانية، وبدا صعباً فهم كل التفاصيل لافتقارنا للمعلومات عن التاريخ الأمريكي وأحداثه



مدخل المتحف المكون من طابقين والذي يحوي أجزاء أوروبية، يابانية، مزيجاً من الشرق و فنون أمريكية




أمام عظمة ودقة هذا السقف تحبس أنفاسك وأنت تنظر الى أعلى متأملاً تفاصيل هذا السقف الياباني المصنوع من الخشب شاهداً على حضارة اعتنى أربابها بالتفاصيل حداً كبيراً


كتاب قديم من الحضارة الأوروبية مابين القرن الحادي عشر والخامس عشر ويبدو محتوياً على رموز دينية


مقاعد صغيرة خصصت للجلوس أمام الصليب وتصوير السدية العذراء وحوله سجادات من أماكن مختلة، بعضها من فارس وتركيا، وربما أمكنك التمييز من خلال الرسوم الموجودة فكما نعلم فان الحضارة الاسلامية اكتفت بالنبات والرسوم الهندسية ولم تتطرق لما فيه الروح كالحيوان والانسان، سجادات ذات قيمة تشهد على دقة من صنعها



في الصورة مصحفان من العهد التركي وبعض الخناجر، المصحف الأول مفتوح على الآية التي تقول
"أتى للناس حسابهم وهم في غفلة"

والمصحف الثاني مفتوح على الآية التي تقول
"قد أفلح المؤمنون"




في القسم الأوروبي يتواجد الكثير من المعروضات للفرسان، أسلحتهم، دروعهم وخوذهم ورماحهم، والتي قد يصل وزن بعض الخوذ فيها الى 8 باوند، وهذه الأسلحة والخوذ تحوي نقوشاً وزخارف تدل على اهتمام الفارس ومن وقف على صناعتها بأدق التفاصيل فيها، انها ليست مجرد أسلحة صماء بل تعبر عن شخص مالكها حتى أن أحدها يحوي رسم قلب، وكا ترى في الصورة فان الخيل أيضاً أخذت نصيبها من الخوذ والحديد






هذا مكان عُرضت فيه غرفة تقليدية أوروبية ومحتوياتها



في اللوحة امرأةٌ ألقت بنفسها في البحر كما تقول الأسطورة بعد أن غرق زوجها المقاتل فحولتهما الآلهة بعد ذلك الى 
كائنات بحرية 



في القسم الأوروبي مررنا بهذا القسم الذي يقال أنه فرنسي وكما ترى فانه تم اجتلاب المكان بكل ما فيه وتم ادخاله الى المتحف وتغيير الديكور والاضاءة لينقلك الى تماما الى أجواء المكان الأصلي وان كنت أميل الى أن هذا الجزء العربي أو تأثر بالحضارة العربية في أقواسه ورسومه وألوانه، ولا أدري ان كانت فرنسا كانت تأثرت بالشكل المعماري العربي في الأندلس وتبنته في فترة زمنية معينة حيث تسمع صوت خرير الماء الذي يتوسط المكان فيما يشبه بيوت الشام القديمة 




من مقتنيات المتحف التي ترجع للحضارة الصينية القديمة



كما نرى في الصورة فقد تم استجلاب هذا الجزء من الصين حتى أن رائحة الخشب القديم تملأ المكان وتظهر الخزائن القديمو وقفص كلاب يبدو ثمينا وعرش الملك ، مع اضاءة خافتة تلائم جو المكان وسحره


بيت الشاي الياباني الذي تم جلبه الى المتحف مع اضاءة جميلة في قبة المتحف كما لو كان يوماً من أيام الربيع الصافية





السنوات الاثنا عشر عند الصينيين
حيث يربط الصينيون بين حيوان وسنة في حلقة مكونة من 12 سنة ويسمون فيها كل سنة باسم ذلك الحيوان،
وهي مرتبة كما في الترتيب الصيني من اليمين الى اليسار، الجرذ، الأوكس، النمر، الأرنب، التنين ، الأفعى، الحصان، النعجة/الخروف، القرد، الروستر، الكلب، الخنزير




لوحةٌ يابانية حاول فيها الفنان رسم غابة من الأشجار باستخدام الأحرف وهو فعلاً عبقري بهذه المحاولة ويبدو المشهد غير مكتمل لجهلنا بحروف اللغة اليابنية وهل يرتبط ايقاع الحروف بشكل الغابة وحجم الحروف ومعانيها 



غرفة من الحضارة الصينية ومحتوياتها 



معبدٌ ياباني 






قصيدة من الحضارة الكورية




العلم الأردني في شارع يحوي أعلام الدول في مدينة فيلادلفيا 



صديقي أنس على أحد جسور فيلادلفيا 


رحلة العودة ومنظر من سماء واشنطن 


ليلةٌ ماطرة في دالاس والمشهد من مدرج الطائرة بعد الهبوط 


No comments:

Post a Comment