(1)
أيقظني والدي هذا الصباح باتصال هاتفي مقتضب وقال لي أن مريم ستتزوج، بدا لي الأمر بعيداً كأنهُ ماضٍ موغلٌ في القِدَم، أختي ستتزوج، ماذا يعني هذا ؟
زوجةُ أخي دعتني للزيارة "تعال لترى ابني أخوك" ، نتالي وكرم، صرتُ عمّاً في الغياب، وربما سأصيرُ خالاً عمّا قريب، كل شئ في الوطن ينمو كياسمينةٍ في بيت مهجور، أضع المسطرة على الخارطة فتبدو المسافةُ ضئيلة، وحين أتذكرُ الحدود، الحُراس، جواز السفر، الحقائب التي يجرُّها أصحابها، لوحة الرحلات، والنظرات المحدقة في فراغ المستقبل أنكمش كورقةٍ خضراء في الربع الخالي، "لا شئ في هذه الصحراء الا ما رأينا أمس" ، يقفزُ الماضي الى الحاضر المتوقف عند مقتل عمر بن الخطاب، ويملؤهُ ضحايا "تموتُ يا عمر ويكُسر باب الفتنة" وفي انتظار نجّار من تراب هذي الأرض تسلل النمل والقوارض التي تأكلُ خريطتنا بجد، "واللحم متنتور في رملة سينا " ولا راية بيضاء يرفعها الجريحُ ولا من ورث الأرض عن الشهيد، راياتنا حمراء مصبوغةٌ بالدم، اغسلنها في الفرات الذي كان أزرقاً يوماً بعد غزو المغول ، اغسلنهُ بجد أيتها الكنعانيات والبابليات، اغسلن قميص يوسف وألقينَ به على وجه يعقوب ليرتدَّ بصيراً ويرى أن يوسف مات في الجُب، لم يلتقطهُ السيّارةُ فهم يشربون ماءاً معدنياً ويحلبون ضرع الجزيرة نفطاً
(2)
يهاتفتني صديقي "ومين قادر يركض في هذا الوقت" ويبدو جوابهُ غائماً مكتنزاً بالأسى،
ما الذي حدث؟
أوقعتُ الوزن الذي كنت أحمله على قدمي وسقطتُ في النادي، وحملتني سيارةُ الاسعاف، طلبتُ سيارة أجرةٍ بعد منتصف الليل وعدتُ الى البيت وحدي
"وتغرقان في ضباب من أساً شفيف"
هو من القاهرة وأنا من اربد، التقينا في ولاية "أيوا" وفرقنا الرزق من جديد، أثناء الثورة المصرية كان هنالك مشهدٌ لجندي يتبولُ على المتظاهرين، أمسكتُ بهذا المشهد أثناء حوارنا عن الجيوش وبقيتُ أرددهُ نكايةً في المصريين وجيشهم، انتفض صديقي، شتمني، وقال كلاماً بدا جارحاً للوهلة الأولى وغادرنا ، وعرفتُ جسامة الجرح الذي أحدثتهُ فيه فانطلقتُ في اثره، وضممتهُ، قال لي صديق أردني " لو كنتُ مكانك لما سامحته على شتيمته" ولكن فرعون لا يرى الا ما يرى، بعد هذه الحادثة صرتُ أقرب لأنس واتفقنا من غير اتفاقٍ على صداقةٍ نبوحُ بها بما لا يُقال أمام "الأعدقاء" والأصدقاء
(3)
قبل سنتين أو أكثر، أصبتُ بمرض البواسير، وفي أحد الأيام نزفتُ دماً كثيراً، لم أكن أملك سيارة، لا اصدقاء، و لا مال، كنتُ وحيداً تماماً في مدينة هيوستن، لم أستطع النوم لأيام متتالية من شدة الألم، وكنت أبكي بمرارة ، وأنادي والدتي ، وكلما تذكرتُ هذه الحادثة عاودني البكاء واغرورقت عيناي بالدموع، لم أستطع الأكل لأن أي لقمةٍ كنتُ آكلها كانت تتسببُ بألمٍ شديد عند الاخراج، وكانت حالتي تسوء، خرجتُ بعدها بيومين على ساقين مرتعشتين وطلبت من جاري الأمريكي أن يصطحبني الى الصيدلية لأشتري مرهماً مسكناً فرفض وعدتُ الى غرفتي غارقاً في الأسى، بعدها بيوم خرجتُ أتحسسُ قواي على المشي الى الصيدلية فلم أستطع الخطو بعيداً، ولقيتُ شاباً هندياً لا أعرفه ولكنني تمالكتُ نفسي وسألته أن يأتيني بالدواء فتبرع بذلك وقام به، وكان لذلك أثرٌ في التئام الجرح وتهدئته ، وكان لذلك أثرٌ عميقٌ في نفسي ومخاوف تصحبني أحياناً من الموتِ وحيداً ومنسياً
No comments:
Post a Comment